المشاركات

ولي صالح

#ولي_صالح في "جِناتنا" القديمة يوجد قبر لجثة مباركة، يقال بأنه من الاولياء الصالحين.  "سيدى بوصاع"، إسمه كان مضحكا ولكنه بدى جديّا للعديد وخاصة الليبين يأتون من ليبيا إلى تونس تحديدا إلى مدينتنا الصغيرة حتى أهل مدينتي كانو يأتون لأجله  من أسقاع بعيدة يشقّون أرضنا دون إستئذان محملين بهدايا لم يكن لنا فيها  نصيب وشموع يطفؤونها قبل رحيلهم، وأدعية أشبه بالأغاني لم نعرف كيف نحفظها ولم يدعوننا يوما لغنائها. ذلك القبر النحس، جلب لنا العديد من الغرباء دون أن يكسر وحشتنا المثمرة. أنا وهي كنّا عازمتين أن يستجيب ذلك الولي إلى دعواتنا عنوة ويبجّلنا على الغرباء الآخرين. قبره بأرضنا،  وحشته تسدل أذرعها على شبابيك غرفنا وتمنع عنا روائح الجنان المُسكرة.....  غربائه لا يبالون ولا يعلون ولا يلقون السلام ولا يتأخّرون بالتحيّة لفساتيننا القطنية المرميّة فوق أجسادنا الكسولة المهملة..... حياتنا غارقة في صمت خشن يلفّ كلّ ما حدث لا أحد يهتمّ لنا... مآسينا التي إستمتنا في تصويرها  وتلوينها تغسلها رطوبة الليل وتمحى فجرا كان لم يكن. ضحكاتنا الحادّة التي تتهاتف لأجل قطع ال...

الخوف

أحب أن أتوقف عند ال"خوف".  إحساسا، تجربة، ثقافة وهوية. الحقيقة أنه موضوعي المفضل، صديقي الأبدي.... الخوف إسمي الحقيقي في بطاقة التعريف وأخاف أن أصرح به.... إن كان من الممكن  تحديد الأحاسيس بشكل هرمي، لكان الخوف على القمة  لا لا ليست القمة، لكان الخوف الطبقة الأولى لأي إحساس آخر؛ لا أذكر أنني شعرت بأي إحساس على الإطلاق ولم يكن الخوف قاعدته الأولى الصلبة الثابتة الموازية، التي إن فارت إمتزجت به حتى غلبت عليه ومات بإسمه الذي يسري في عروقي ككريات سوداء، هي فصيلة دم الكائنات التي لم تتغذى بإحترام ذاتها  والثقة بقدرتها... من أين أصابني كل هذا الخوف ؟؟ هل هو نتاج نظام سياسي شمولي ديكتاتوري ؟؟ هل هو نتاج تربية محافضة ؟؟ هل كنت أخاف بن علي؟ حزب الدستور ؟؟ النهضة، داعش، الإمبريالية ؟؟ لم أخف إلا الأشباح! الأشباح التي تعيش معي ولا أصطادها. لم يحدث أن خفت مما أعرفه، لطالما إقترن الخوف بذهني: بالمجهول، بالجهل، بأن لا أعرف.... بالوحدة، بأن أعزل عن الآخر، أن لا نتواصل... بالحدود والقمع، بأن ينتهي جموح إنسانيتي عند حد مرسوم. بالفشل، بالصوت الذي يكرر لا يمكنك! ...

صمت

عن العصافير التي لا تطير مهما عتت العاصفة.... الكثير من الأعوام على مقاعد الدراسة  ولم أتعلم كيف أحتمل ضغط الحياة في عروقي وكيف ببطأ أتنفس حتى لا أختنق وأنا نائمة... لماذا أهيج حين يكتمل القمر ؟؟ الكثير من الأعوام من نظريات الإقتصاد  وثرثرات العلوم عن المادة والكيمياء  وتمارين الرياضيات لأجل عضلات المخ. الكثير من الأعوام لأجل أن أرسم نجمة  وأصنع مركبا من ورق هذا تقريبا كل شئ. الباقي علمتني إيّاه أمّي.. الكثير من أعوام الصمت. هذا الفستان يليق بإعلانات كريم إزالة الشعر... نعومتي المهترئة، لا تليق بهكذا فستان عيونك الحالمة، لا ترى أبعد من خشونة أسفل قدمي والشعرات الزاحفة على جلدي.... أحب لو أكون دمية لتحبني،لتلعب بي أمي حين تمل.. وليتوقف عن نهش لحمي، القلق أتمنى لو أكون دمية، لا تموت سريعا لا تجف أو تيبس لا يتفتت عمرها، بسكوتة في فنجان دمع. الحياة سريعة جدا،كل صيف ييبس غصن وتموت زهرة... كل شتاء تسقط ورقة أخاف عراء العمر القادم لن تحبني دون فستان الإعلانات.. الشعر يزحف على جلدي.. مثله تزحف.. تدهس جذعي الهش، بينما تعاينني هل أنا حقيقية ؟؟ أحتا...

كراتيني

كيف حالكِ  يا صديقة ؟ أتخيلكِ بذات الجلسة ، كغراب ملول طاعن في السن واليأس، يطل على العالم من غصن محترق بأعين ملؤها السخرية واللامبالاة..... أفكر بكِ ، أقلب خيال وأسهو لا شيء  أخبرك عنه: بدأت أهجئ الحروف الصغيرة للأمل  وأتعلم بعد كل هذا الوقت ،أنه مجرد إسم وعلىّ ككلّ شيء آخر أن أتقبّله.... صرت أتوقف قليلا  كل صباح أمام العجوز الأجرب الوحيد أمام العمارة دونما أن أشعر بذنب أو أسف أكرر : لا بأس بالحياة  قلبي ، قلبي الكسول ، يتنفس تحت الماء ، ويحتمل السعادة هل تصدقين ذلك؟ كل شيء عادي لازلت أهاب المشي في الليل  وأحب الزقاق الضيقة المظلمة... أستأنس عواء الكلاب المشردة الوحيدة  وأخاف الضوء الدافىء خلف النوافذ حيث يعلو أزيز العائلات وتبدو مرعبة  الألغام المؤقتة للسعادة تحت وسائد الأطفال.... أرحل عن بيت آخر في كراتيني، أصدقاء طيبون  وفساتين لم يخنها جسدي بعد،دمية قطن مبتسمة على الدوام، صحون وملاعق .. أكتشف أن لي خمسون سنة كأنما إكتشفت تحفة ثقيلة. هذا العمر لي حقا !! ؟؟ أقلبه بدهشة بين يدي ،  ماذا أفعل به؟؟  أتشاركه أم أورثه...

مروى

سأحدثكم عن مروى.... لا شك أنكم عرفتم نساء جميلات في حياتكم، لكن أحدا منكم لم يلتق قط بمن هي لجمال مروى. كل من يعرف مروى أو سمع عنها، يعرف أنه لا يوجد أجمل منها. لمروى بشرة أكثر صفاءا من مياه الينابيع. زرقة عينيها أجمل من شواطئ الكرايب. شعرها شلال أسود، تجمعه فوق رأسها كذيل فرس جامح. جسدها المخملي، أكثر نعومة من زهرات القطن الناضجة ويداها، أشد خفة من جناحي يمامة.... مروى كانت أجمل النساء. لكن لم يكن الجمال وحده ما يجعلها مميزة كانت تملك شيئا من السلطة الأنثوية الغامضة، وكانت مدركة تماما لذلك. تعودت منذ طفولتها أن تشهق العيون لطلتها وتتزاحم الدماء بالوجوه التي تتطلع إليها وتهمهم الشفاه بحضرتها كأنما تسبح لسر من أسرار الكون وفهمت بسرعة أن جمالها المألوف لها، ثروة لا تقدر بثمن.... كانت إذا حضرت عرسا من الأعراس بالحي، توقف الحفل وحبس الجميع أنفاسهم لمرورها. كانت تختار أي رجل لتقبله في دلال على مرأى من الجميع، كثري يدس مائة دولار بقشيشا لأي نادل.... كانت إذا مرت بالشارع وتوقف المارة لجمالها، تعرت لأجلهم، ضحكت في خفة للفوضى من حولها ثم هربت كما تفعل النجمات بشاشات التلفزيون. ...

عالم صوف

في عالمي الصغير،في الداخل، هناك في أقاصي الداخل.. أجلس بمفردي على أريكة من الصوف، أتفرج على تلفاز من الصوف، وأطرز بالصوف ستائري الصوفيّة الجديدة، وأراقب من الشباك، نمو سفرجلة صغيرة...  ألاحظ تراكم أكوام صوف رمادية في الفضاء ستمطر،أركض بسرعة لإعداد المدفأة، أنهي لعبة القطط وأدعوها للدخول، وأشعل كل الأضواء. في عالمي الصغير، هناك في الداخل، لا ماضي لي ولا أصدقاء أستكين لرفقة الأوهام، وأحشوها بالصوف لتكبر، وأحلم، أحلم في مكاني كثيرا أحلم بالدفئ، بقلب لا يحن لشيء، وببال خال... أحلم بالكثير، بحبيب يصطاد من أجلي قلوب الفرسان لأحشو بها عرائس الصوف التي أصنعها فتنبض حياة وتؤنسني في الوحدة. حبيب غائب، لا يأتي سوى عندما أحتاجه حبيب سخيف، حتى لا تموت داخلي الرغبة في الضحك ومشاعر الشفقة حبيب يهديني دبا في عيد الحب، لكن دبّ حقيقيّ، نجلس معا على شرفة مطلة على قطيع لا ينتهي من الأيائل البيضاء، ونتحدث عن البرية، وعن ضعف الإنسان وجبنه يطول الحديث يجوع الدب ويأكلني. هناك في الداخل، لا أريد أن يتوقف قلبي فجأة عن العمل، ولا أن تصدمني سيارة لا أن يغتالني الأشرار، أريد أن أكون فريسة فريسة إلى آخر ...

نرفين

كانت في عمر أمي، أو ربما أكبر قليلاً. شيء في وجهها يوحي بإنتماءها لعائلة ميسرة. ملابسها بسيطة ومحتشمة كما يليق بجدة...  الإيشارب الحريري الذي تغطي به رأسها ويتوارى خلف قميصها يضاعف النعومة المتدفقة من ملامحها وإبتسامتها الطفولية.... غريب أن بعض النساء لا يكبرن، أم وجدة تبدو كبنوتة في الخامسة، تستدعي في أشد النفوس ضيقا وخشونة واجب التلطف. بادرتني بإبتسامة تعادل قدرتي على الإبتسام لمدة شهر وقدمت نفسها بصوت يبعث في النفس الرغبة في العناق والبكاء: - أنا إسمي نرفين شاعرة. قالت إنها شاعرة بذات البديهية التي تنطق به إسمها "ن ر ف ي ن" "ش ا ع ر ة".. الأمر بسيط وسهل.. قدمت نفسي بإسمي، معتذرة في باطني أن تخدشها طبقة صوتي فأجابتني بإبتسامة أعلى من موج المحيطات كادت تلقى بي من كرسيَ   وإسترسلت في تقديم دواوينها، وأسمائهم وتاريخ ولاداتهم ودور النشر الحاضنة لهم.. كفضولية تقليدية سألتها عن أطفالها، فأخبرتني أن لها ثلاثة ونسيب وحفيدان وإسترسلت تقص حكايتها بإبتسامة لا تفارق شفتيها، تجبرني على الإبتسام بتماسك، أن لا أعض على شفتي، أصرخ، أو أبكي. كانت بنتا مدللة لعائلة...

مجرد رجل

الوحدة حالة ذهنية متشظية، لا علاقة لها بواقع الحال وكل التجاذبات على قصعة روحك.... كانت تحدث نفسها وهي تفكر في الرجل الذي سيزور فراشها هذه الليلة بل تفكر في كل رجل يزور فراشها كل ليلة وتتحسس إتساع الحفرة في أعماقها ولا تشعر بشيء، تغلبها العبرات لكنها لا تبكي  وتحول كل طاقتها نحو الضحك بميوعة مبالغ فيها كل هؤلاء الرجال، في فراشي، في حفرتي يزيدونها إتساعا وفي وحدتي يزيدونها عمقا  وقصعة روحي لا تفرغ من وجودهم ولا أحد منهم يعرف بوجود الآخر ولا أحد فيهم يهتم بوجود الآخر ولا أحد منهم يصلح للحب والوفاء..... ثم إستطردت وما حاجتي للوفاء والحب وأنا أعاملهم جميعا بكل سادية كخرقة للمسح..... أظن أن الأمر أني أملىء منهم قصعة روحي وأجمع فتات الخبز فوق قلبي لأشبع العصافير المارة  والمهاجرة.... تأخذ مفكرتها مرة أخرى  وتخط فوقها مواعيد الأسبوع القادم، تحبس كل منهم في خانة صغيرة بحجم إسمه وجسمه أما المشاعر والأحاسيس  فهي أشياء لا تهمها، تأخذ من كل منهم حاجتها وتمر  وتمحو في اليوم الموالي إسمه وتقول أنه مجرد، رجل جاء يبحث عن لذته وأخذت ما أرادت ورحل، وتخط في مفكرتها أس...

العناق

مثل الكثير من النساء والبنات أعاني من رهاب التلامس، كان يكفى أن يلمس جسمي جسم  أي رجل مصادفة حتى تتشنج عضلاته بشكل دفاعي متوتر ومؤلم يبدو الموضوع بسيطا.. لكننى كنت أعيشه كما تعشيه الكثير من النساء كإعاقة حقيقية تمنعني من الإندماج في المجموعة  والسير في الأماكن العامة والتزاحم في عالم يكاد يكون فيه التدافع الجسدي ضروريا لقضاء الحاجيات وفرض الذات. كان يعاب علي أن أكون 'فينو' فلا أتجرا على الأماكن الشعبية المزدحمة أو النقل العمومي أو التوغل في الأسواق لتفادي كابوس الهلع وآلام الشد العضلي الذي يحدثه التوتر.... كل المحاولات كانت تنتهي بالتحرك في مساحات آمنة ذات كلفة مادية. للأمان ثمن ولا بأس بذلك،  لكني توصلت أن لا ثمن يلغي الخوف هو هنا دائما، بكل ثقله حتى إن لم يكشّر عن مخالب القلق ولم يفضح نفسه بأي إستعراض عصبيّ.. كان يمكنني تفادي كل مثيرات الخوف وأحارب مسبباته دون أن أتمكن حقا من القضاء عليه.. وكحل لمجابهة أكبر مخاوفي تخيلت نفسي أدعو من غرباء إفتراضيين في حملة عناق مجانيّة.. لا يمكنني أن أسترجع حجم الإرتباك الذي أحسست به وأنا أقف مرتجفة بعصبية واضحة وسط الشارع ح...

الإستراحة

يمكن أن يحدث الكثير في محطّات الإستراحة على الطريق السريعة. صحيح أنها مجرّد بناية بمساحة عاديّة جدّا تعادل مساحة أي قهوة شعبية بشارع صغير بمدينة.... صحيح أنها تبدو خالية، معزولة وراكدة.. يعني مجرّد محطّة إستراحة على طريق صحراوية سريعة.. قد تتوقّع أن لا شيء يمكن أن يحدث بهكذا مكان، يرتاده الناس للتبوّل أكثر مما يرتادونه للأكل أو شرب القهوة: المروحة العملاقة بالركن توحي بالملل من شدّة الغبار المزدحم بين أجنحتها الثقيلة الطاولات الصفراء، المتسّخة ببقاع الدهان والقهوة والبصاق الممسوح على عجل، تشي بسنوات من الإهمال والركود.. الهواء ثقيل. عيون "السرفور" نصف مغمظة، تتابع بكسل متؤهب مباراة الكرة بالتلفزيون. الصبيّ يسحب أرجله خلف المسحبة، ليجمع أوساخ الأرضية القابض يعد ملاليم الأمس بتؤدة العابد.. الوقت يتثائب..... لكن العمال هناك يعرفون أنه يمكن أن يحدث ما لا نتوقعه، يتسلحون بعصا ثقيلة تحت الكنتوار وسكين حادة مخفية بعناية تحت غطاء الطاولة التي تحمل الكاسة. يضعون طاولة على جانب، مرتبة بعناية  وحولها كراسي من خشب لا من بلاستيك. فوق الطاولة مزهرية، ومنفظة سجائر  وحاملة محارم...

أمومة

يهمس ملاك في أذني، كمن يخشي إيقاظ وحش: -والأمومة هل تكتبين عنها؟؟ لا أكتب، أجيبه بنصف صوت، بينما يستيقظ الوحش في صدري ويفتح عينا واحدة، تلتقط كل الألم.. لم أكتمل أمّا، لا أعرف كيف تكتمل الأمومة داخلي، لا تنضج.... هي هنا، أستشعرها، في مشاعري، قراراتي وأفكاري، لكنها لا تكتمل، لا تستقل عنّي  ولا تفرض علي نفسها.. كما لا أقتلها  وأتحرر منها.... هذا الرجل طفل كبير، أحبه لأنه طفل لأنه كبير بما يكفي....  من التي تستدعيه الآن ؟ الأمومة ؟ أم أنوثتي ؟ أنوثتي تقلب شفتيها قرفا، هلا إنتهينا من هذا الفيلم السخيف ؟ كل هذا إنتاج ثقافي، لا أريده. أقول مقتنعة : لا أريده. ثم يتسلل الحنان إلى قلبي، حنان مشوه، بطعم الملح، سلطوي ومتطلب.. تلغي الأمومة ما أحبه أكثر  في البشر: إستقلاليتهم وتفردهم في التجربة حريتهم الهوجاء لا محدوديتهم.. الأمومة إستدعاء دائم للقلق، الحذر، الرعاية، الطبطبة، التلقين، التذكير بالواجبات، سقي البيوت بالطمأنينة، إغلاق الباب عن الخطر، الإكتشاف، المجهول المحفز..  ها هنا،  معلمة، لا تحب الإبتكار، منظمة تخشى الفوضى، مؤسسة عين لا تنام ترقب، تشر...

الوحدة

حين أغلقت الباب خلفه في تلك المرّة، كانت تدرك جيّدا أنه لن يعود منذ أسابيع وهي تطالب برحيله بعد أن أعلن القاضي طلاقهما كانت مقتنعة تماما أنها لا تريد العيش معه لما تبقّى من حياتها. لطالما أرعبتها الفكرة أن تعيش مع شخص واحد مدى الحياة. المنفظة فوق الطاولة لازالت تحمل دفئ سيجارته، آثار مؤخرته على الأريكة لم تختفي، عطره في الجو ريمود التلفاز لازال حيث تركه. لقد رحل لوهلة توقف كوكب الارض توقف طلق النار، توقفت الآلات الحاصدة، تجمّدت ينابيع الماء، تعلقت الضفدعة بين فضاء وهواء، تجمّدت قطرات المطر وهي تنزل سكن الكون وبدى محرّك السيارة صارخا وهي تتحرك من ركنها المعهود  وتنطلق في طريق لا نهاية له. لقد رحل... رنة الولاعة، كانت الإشارة الخفية للكون ليعمل مجددا كل شئ عاد إلى حركته. ليس بشكل طبيعي تماما، ببطئ ناعم، تحبّه نفسها. أشعلت السيجارة يجب أن تشعر بالإرتياح الآن بالتحرر. بالخفّة بالإثارة. البرد وحده يتسلل إلى أطرافها. حملت نفسها من مقعدها وجلست حيث كانت مؤخرته على الأريكة ،سرى بجسدها ما كان دفئه... -مراحل إنتهاء العلاقات:  أوك "غوغل" -كيف الغضب، أخر مراحل الشفاء. ...

لعبتنا المثيرة

هو صباح يشبه كل تلك الصباحات الضّاجة بالملل، إستيقظت باكرا، أعدّت الفطور ونظّمت المنزل وبقيت في المطبخ ترتّق بعض ثياب مهترئة وتستمتع إلى الرّاديو... صوت الشحرورة صباح يبعث في نفسها البهجة ولو أنها تفضّل حماسة أمينة فاخت، تأوهها في الراديو ينشّط حواسها ويجعلها تهز رأسها بمتعة وسلطنة متناسية الديكور الممل لحياتها. كان يمكن أن يكون صباحها خاليا من أي مفاجأة لولا هجمة الشاب حمدي إلى مطبخها بلا سابق إنذار. حمدي هو إبن جارتها في أخر الحي، بالكاد كانت تذكر وجهه الأسمر الهزيل، رشحته أمه لمساعدة إبنتها بالدراسة بإعتباره متحصلا على شهادة جامعية من جامعة متميزة بالعاصمة. لم تكن تحتاج إلى حجج كثيرة لتقتنع،أي جامعي مرحبّ به ليساعد الملعونة إبنتها على نجاح البكالوريا. زار حمدي إبنتها مرتين بالبيت، إستمعت إلى نقاشاتهما من خلف الباب وإطمئنت إلى جديّته برغم دلال إبنتها وبحثها عن تصيّد المواضيع خارج الدرس.. في زيارته الثّانية، في طريق المغادرة توقّف الولد أمامها مشدُوها وفي عينيه لمعة حادّة أثارت ضحك نائلة وسخريتها ونهرته بلطف: - مَخََرْ عليك، سلملي على أمّك. وكاد وجهه ينفجر من الخجل. في الأ...

أليخاندرو

لا شيء مختلف هذا الصباح ، كنت أعرج نصف نائمة بحذاء بنصف كعب وأبحث بعيني عن التاكسي... الشمس شديدة وكل سيارات التاكسي تحمل إشارة خضراء والرنين المتواصل بهاتفي يلح علي : كان يجب أن تكوني بالمكتب، كان يجب أن تكوني بالمكتب. حاولت تجاهل كل شيء حولي وأخذت أراقب السحابة الصغيرة الهائمة في السماء؛ خيل إلي أنها قد تقرر أن تمطر بشكل منفرد، أو تباغتها الرغبة في التبول وتضطر إلى التنفيس عن نفسها.. تسللت بعيني إلى الأرض لأكتشف الضحية المرتقبة. أليخاندرو  بكامل أناقته يركب سيارته غير آبه بالسحابة البوالة....إنتبه أنني أنظر إليه، رفعت عيني بسرعة إلى السماء، رفع عينيه بدوره، السحابة فوقه تماما، أفلتت مني ضحكة صغيرة وأنا أتخيل السحابة تتبول فوق رأسه وتبلل ثيابه الأنيقة. أحسست فورا بالذنب لهذا الشر المجانى. إبتسمت لاليخاندو معتذرة، أجابني بإبتسامة مشرقة أثارت خفقة ببطني: يا قلبي الصغير، متى تتوقف عن هذا الضعف أمام الضحكات الجميلة أجابني قلبي بخفقة أخرى.... توقف المشهد عند هذا الحد، أليخاندرو ثابت لا يصعد سيارته ولا يتوجه نحوي مكتف بإبتسامة ثابتة...  أنا شبه نائمة وسط الطريق أبتسم ببلا...

نقص الحب

هذه الهرسلة اللطيفة السامة التى إسمها نقص الحب، سأوجهها لرجل مسكين، أعرف أنه مسكين، أهرسه بكل عنف الفقد داخلي وشهوة الإكتمال، وأنا أعتذر له عن كونه مسكين  ومفعول به، وأحرّضه سرّا ليتحرر....  يشبه الأمر أن أضرب شخصا بيد وأحثّه أن يهرب أو يردّ الضرب بيد أخرى...  ويتواصل العنف.. أراقب نفسي مخبر التجارب، وتبهرني ما آلت إليه أنوثتي الدامية....  كلّ هذا داخلي وسأعيش به ولا سبيل لمواجهته إلا بلعبة التقيّء التي إسمها كتابة.... في مساءات حميمية تاكد أن تكون مكتئبة ، لا يحمل الشتاء أي لقاح ممكن، كأس بويضاتي يخز جلدي بغضب، ليفكّرني أنني فشلت في تلقيح بويضة، ربّما للمرة المائتين وثلاث وأربعين على التوالي...... هناك من يضحك من دقّتي، كثيرات تعرفن أي دقّة مهووسة لهذا الجسد العجيب الذي لا يعرف النسيان، أي لعنة مثيرة للسخط والجنون أنه لا يعرف النسيان..... تقول دراسة أن المرأة تسجّل الجينات الوراثيّة لكل من عاشرتهم، أنّ جودة جيناتها التي تنقلها لأطفالها مرتبطة بمدى سعادتها وتحقّقها، أن المحضوضين هم أبناء السيدات السعيدات اللاتي تعرفن صيد السعادة لأجل أبنائهن.... أن يجب رب...

الطفل "ك"

السيدة "س" تسكن في المنزل الأرضي  رقم خمسة بشارع الهادي نويرة.. السيدة "ن" جارتها التي تشتكي تصرفاتها كل يوم ... الجميل في هذا الحي أنك تظن لوهلة أنه من أهدأ الأحياء التي تدخلها يوما وهذا ما خُيل لي لكن ما أن تسكنه سترى العكس تماما يسكن السيد "م" الطابق الثاني  وهو والد السيدة "س" السيد "م" والسيدة "س" على خصام دائم وعلى صراخ معظم الوقت ..يملك السيد "م" موتور صغير، الجميل فيه أن مع أول دخوله للحي يبعث صوت زمور وكأنه يقول للحي ها قد وصلت فليعلم الجميع ومع ركنته للموتور ينادي السيدة "س" بأكثر من مرة وبصوت عالٍ تتعمد السيدة "س" عدم إجابته كأنه تقول ليرفرف إسمي في هذا الحي البائس ... السيدة "ن" و السيد "ح" متحابان منذ خمسة سنوات، تعرفا على بعضهما البعض في إحدى الأمسيات الصيفيّة ببنغلادش وقررا منذ ذلك الحين أن يعيشا معا.. كل صباح يستيقظ السيد "ح"مع الساعة السادسة صباحا، يقرأ الصحف ويشرب قهوته وينطلق إلى منزل السيدة "ن" يفتح الباب لأجل أن تخرج القطّة إل...

لستُ حامل

تأملت وجهى مطولا في المرآة بحثا عن أي حبّة تطلّ برأس ممتلئة، يثير إفراغها ما يثيره تقيئ سريع أو بكاء عاصف بشرتي صافية.... ألمس جسدى بقلق، هذه الطمأنينة الغريبة من أين لكِ ؟ ماذا تخفي ؟؟  هذا الصّمت السّاكن مثير للقلق.. مرحبا ما بكِ !! المفترض أنه اليوم الأول في العادة الشهرية..... المفترض أن عاصفة رعديّة تمرّ من هنا...المفترض أيضا أنّ حبّة متوهّجة تزيّن وجهي لأجل إعلان العاصفة.... جسدى هادئ، بشرتي ناعمة، أكاد أكون جميلة.... أكاد أكون جميلة قبل يوم من العادة الشهرية، هذا مؤشر لا يدعو للإطمئنان، أمعن الإنصات إلى جسدي، ظهري لا يؤلم، لا ضغط يدهس عظامي، لا تشنّج ينهش أعصابي، لا أرغب بالعراك، لا ألاحق الاكل.. ألمس جسدي في قلق،أجبني أيها السافل، هل فعلتها ؟؟ جسدي صامت..... أشعر بالخوف البارد يتسلل إلى قلبي.... جسدي لا يجيبني....حدسي يطمئنني لستُ حامل، لستُ حامل لا يمكن أن تكوني حامل.... عقلي يحسب ويضرب  ويطرح....لا يمكن أن أكون حاملا. أعود إلى وجهي لأبحث عن أي بثرة، حبّة، عن أي شحوب يهدّأ روعي... يا آلام ظهري إستيقظي...!! لا دليل لا إشارة هو فقط جسدي يريد أن يحبل ...

ولدتُ في الريف

وُلدت في الرّيف وهذا لا يعني شيئا , فقد كنتُ أتعطّر بعطر أمي الذي تخبأه من وقت زواجها ....طبعا كنتُ أضع كرسي أصعده لأصل لمكان العطر ..  قبل أن أخرج للّعب مع أترابي, وحين تهطل أمطار الشّتاء الغزيرة  ويوحل مسلك بيتنا الصّغير , كنتُ أرفض رفضا قطعيّا إرتداء حذاء مطاطيّ قبل الخروج إلى المدرسة وكنت أرفض رفضا قطعيا أن أخرج بدون أن تعمل أمي ظفيرة لشعري  تضع أخره عقدة شعري البيضاء وعادتا ما تكون على شكل فراولة...  المدرسة تبعد خمسين مترا فقط عن منزلنا , في الحقيقة, حتّى لو كانت تبعد آلاف الأمتار, فأنا لا يمكن لي إلّا أن أرتدي حذائي الذي أتعمد أن يبقى جديدا مدى الدهر  يقظة بما يكفي كي أحاذر الأوحال.... كنت ومازالت أرى صورتي عن نفسي عظيمة بما يكفي كي أكون دائمة الأناقة والأنفة ولذلك فإنّ العقاب لا ينفع معي ولا يمكن لك سوى أن تستسلم أمامي في النّهاية سواء كنتَ أبي أو كنت أمّي أو كنت السفّاح الذّي يخطف الأطفال غير المطيعين ، ولدت في الريف وأمّي كانت تسمّيني الشخصيّة, فهل تحتجّ ؟..  في المدرسة لا يمكنك أن تتعمّد إحباطي فأنا طفلة فطنة  ومؤدّبة وعليك أن تحترم ...

ربما

أحب أن يكون لي أباً مختلفا عن غير ذلك الذي أملك رجل أستطيع الفكاك منه عندما أرغب ولا يربكني خوفي عليه كلما كنت بعيدة... أحاول أن أهرب بفوضى حياتي إلى حيث المعقول رجل أستطيع أن أبرر نسياني له لأنه مثلا كان يتركني وحيدة مع خوفي في المنزل في وقت متأخر رجل إنشغل عني،رجل لم يكن صديقي..... كنت أرغب حقا لو أن لي أباً مختلفا لن يفجعني إحتمال رحيله كل لحظة واحدة لا أهرع كل مرة  لألمسه كي أتيقن وجوده،رجل أستطيع أن أعانقه دون شعوري بأني أفقد أصابعي كل مرة فتصبح المعانقات خوف.... أحب أيضا لو أني كنت أملك أما مختلفة،أما لا أحمل وجعها وهمها على ظهري وأتنقل به إلى كل مكان أقصده أما لا أحاول تجسيد صورتها في كل شئ تنبعث منه رائحة الحنان ،أما ألتقي بها وحين أفشل في إيجادها أهرب بينما أعانق شعوري بفقدها في كل لحظة .... مربك القرب ومضعف لهذا أغلب أصدقائي بعيدين وأحبهم لأنهم بعيدين هذا سهل لا حاجة للإبتعاد أو الهرب،نتشارك الأحزان عن بعد نتشارك الضحكات عن بعد ونقول لبعضنا بين الحين والآخر أشياء مثل كم هو رائع أن نكون أصدقاء أو كل تلك المسافات حيلة،وهم هناك ما يكفي من الخيال لإستبدال المعانقات ...

روتين

أعمل سكريترة بجريدة ورقيّة تعاني من مشاكل في التوزيع... أو على الأغلب لأن المدير أصلع.. مديرى قبيح وجشع، أحتمل غصبا عني  تذمّره الدائم وإدّعائته بالمعرفة ولا أطيق كحّته المختنقة بالبلغم وصوت ضراطه المتبجج حين يدخل الحمّام.... على الأغلب لأن الحمام به صدى.. أنا إمرأة متوسّطة، من عائلة متوسطة، من بلدة صغيرة تقع في الوسط الغربي للبلاد لا أعرف حدودها. ذكائي كاف لأنجح بإمتحان الثانوية العامة وأتدبر عملي وأدير راتبي الصغير بلا ديون، لكن ليس كافيا لأفهم كل التعاليق التي يضحك عليها الناس ولا أسباب خصوماتهم... في المكتب يعتقدون أنني غبية لأجل أنني لا أعرف كيف أشارك بالنميمة...  لا شئ يدعو للإهتمام بوجهي، مؤخرتي مسطحة، ردفاي ليسو بالممتلئين، لي صدر ممتلئ  وكرش صغير....هناك أمر ما بجسمي لا أحبّه وأمر ما مثير للحنان.. يجعلني أحتضنه كلعبة. حياتى بسيطة وبطيئة، انا صبورة جدا لكنني أكره حياتى وأكره عملي، خصوصا مديري الجشع.... كلّ صباح أنظر عبر النافذة إلى الأفق البعيد، أتأمّل الطيور السارحة في الفضاء وتهادى السحابات في مملكة سمائها ... وأهمهم إلى نفسي: ذات يوم، سأرحل من ه...