المشاركات

العناق

مثل الكثير من النساء والبنات أعاني من رهاب التلامس، كان يكفى أن يلمس جسمي جسم  أي رجل مصادفة حتى تتشنج عضلاته بشكل دفاعي متوتر ومؤلم يبدو الموضوع بسيطا.. لكننى كنت أعيشه كما تعشيه الكثير من النساء كإعاقة حقيقية تمنعني من الإندماج في المجموعة  والسير في الأماكن العامة والتزاحم في عالم يكاد يكون فيه التدافع الجسدي ضروريا لقضاء الحاجيات وفرض الذات. كان يعاب علي أن أكون 'فينو' فلا أتجرا على الأماكن الشعبية المزدحمة أو النقل العمومي أو التوغل في الأسواق لتفادي كابوس الهلع وآلام الشد العضلي الذي يحدثه التوتر.... كل المحاولات كانت تنتهي بالتحرك في مساحات آمنة ذات كلفة مادية. للأمان ثمن ولا بأس بذلك،  لكني توصلت أن لا ثمن يلغي الخوف هو هنا دائما، بكل ثقله حتى إن لم يكشّر عن مخالب القلق ولم يفضح نفسه بأي إستعراض عصبيّ.. كان يمكنني تفادي كل مثيرات الخوف وأحارب مسبباته دون أن أتمكن حقا من القضاء عليه.. وكحل لمجابهة أكبر مخاوفي تخيلت نفسي أدعو من غرباء إفتراضيين في حملة عناق مجانيّة.. لا يمكنني أن أسترجع حجم الإرتباك الذي أحسست به وأنا أقف مرتجفة بعصبية واضحة وسط الشارع ح...

الإستراحة

يمكن أن يحدث الكثير في محطّات الإستراحة على الطريق السريعة. صحيح أنها مجرّد بناية بمساحة عاديّة جدّا تعادل مساحة أي قهوة شعبية بشارع صغير بمدينة.... صحيح أنها تبدو خالية، معزولة وراكدة.. يعني مجرّد محطّة إستراحة على طريق صحراوية سريعة.. قد تتوقّع أن لا شيء يمكن أن يحدث بهكذا مكان، يرتاده الناس للتبوّل أكثر مما يرتادونه للأكل أو شرب القهوة: المروحة العملاقة بالركن توحي بالملل من شدّة الغبار المزدحم بين أجنحتها الثقيلة الطاولات الصفراء، المتسّخة ببقاع الدهان والقهوة والبصاق الممسوح على عجل، تشي بسنوات من الإهمال والركود.. الهواء ثقيل. عيون "السرفور" نصف مغمظة، تتابع بكسل متؤهب مباراة الكرة بالتلفزيون. الصبيّ يسحب أرجله خلف المسحبة، ليجمع أوساخ الأرضية القابض يعد ملاليم الأمس بتؤدة العابد.. الوقت يتثائب..... لكن العمال هناك يعرفون أنه يمكن أن يحدث ما لا نتوقعه، يتسلحون بعصا ثقيلة تحت الكنتوار وسكين حادة مخفية بعناية تحت غطاء الطاولة التي تحمل الكاسة. يضعون طاولة على جانب، مرتبة بعناية  وحولها كراسي من خشب لا من بلاستيك. فوق الطاولة مزهرية، ومنفظة سجائر  وحاملة محارم...

أمومة

يهمس ملاك في أذني، كمن يخشي إيقاظ وحش: -والأمومة هل تكتبين عنها؟؟ لا أكتب، أجيبه بنصف صوت، بينما يستيقظ الوحش في صدري ويفتح عينا واحدة، تلتقط كل الألم.. لم أكتمل أمّا، لا أعرف كيف تكتمل الأمومة داخلي، لا تنضج.... هي هنا، أستشعرها، في مشاعري، قراراتي وأفكاري، لكنها لا تكتمل، لا تستقل عنّي  ولا تفرض علي نفسها.. كما لا أقتلها  وأتحرر منها.... هذا الرجل طفل كبير، أحبه لأنه طفل لأنه كبير بما يكفي....  من التي تستدعيه الآن ؟ الأمومة ؟ أم أنوثتي ؟ أنوثتي تقلب شفتيها قرفا، هلا إنتهينا من هذا الفيلم السخيف ؟ كل هذا إنتاج ثقافي، لا أريده. أقول مقتنعة : لا أريده. ثم يتسلل الحنان إلى قلبي، حنان مشوه، بطعم الملح، سلطوي ومتطلب.. تلغي الأمومة ما أحبه أكثر  في البشر: إستقلاليتهم وتفردهم في التجربة حريتهم الهوجاء لا محدوديتهم.. الأمومة إستدعاء دائم للقلق، الحذر، الرعاية، الطبطبة، التلقين، التذكير بالواجبات، سقي البيوت بالطمأنينة، إغلاق الباب عن الخطر، الإكتشاف، المجهول المحفز..  ها هنا،  معلمة، لا تحب الإبتكار، منظمة تخشى الفوضى، مؤسسة عين لا تنام ترقب، تشر...

الوحدة

حين أغلقت الباب خلفه في تلك المرّة، كانت تدرك جيّدا أنه لن يعود منذ أسابيع وهي تطالب برحيله بعد أن أعلن القاضي طلاقهما كانت مقتنعة تماما أنها لا تريد العيش معه لما تبقّى من حياتها. لطالما أرعبتها الفكرة أن تعيش مع شخص واحد مدى الحياة. المنفظة فوق الطاولة لازالت تحمل دفئ سيجارته، آثار مؤخرته على الأريكة لم تختفي، عطره في الجو ريمود التلفاز لازال حيث تركه. لقد رحل لوهلة توقف كوكب الارض توقف طلق النار، توقفت الآلات الحاصدة، تجمّدت ينابيع الماء، تعلقت الضفدعة بين فضاء وهواء، تجمّدت قطرات المطر وهي تنزل سكن الكون وبدى محرّك السيارة صارخا وهي تتحرك من ركنها المعهود  وتنطلق في طريق لا نهاية له. لقد رحل... رنة الولاعة، كانت الإشارة الخفية للكون ليعمل مجددا كل شئ عاد إلى حركته. ليس بشكل طبيعي تماما، ببطئ ناعم، تحبّه نفسها. أشعلت السيجارة يجب أن تشعر بالإرتياح الآن بالتحرر. بالخفّة بالإثارة. البرد وحده يتسلل إلى أطرافها. حملت نفسها من مقعدها وجلست حيث كانت مؤخرته على الأريكة ،سرى بجسدها ما كان دفئه... -مراحل إنتهاء العلاقات:  أوك "غوغل" -كيف الغضب، أخر مراحل الشفاء. ...

لعبتنا المثيرة

هو صباح يشبه كل تلك الصباحات الضّاجة بالملل، إستيقظت باكرا، أعدّت الفطور ونظّمت المنزل وبقيت في المطبخ ترتّق بعض ثياب مهترئة وتستمتع إلى الرّاديو... صوت الشحرورة صباح يبعث في نفسها البهجة ولو أنها تفضّل حماسة أمينة فاخت، تأوهها في الراديو ينشّط حواسها ويجعلها تهز رأسها بمتعة وسلطنة متناسية الديكور الممل لحياتها. كان يمكن أن يكون صباحها خاليا من أي مفاجأة لولا هجمة الشاب حمدي إلى مطبخها بلا سابق إنذار. حمدي هو إبن جارتها في أخر الحي، بالكاد كانت تذكر وجهه الأسمر الهزيل، رشحته أمه لمساعدة إبنتها بالدراسة بإعتباره متحصلا على شهادة جامعية من جامعة متميزة بالعاصمة. لم تكن تحتاج إلى حجج كثيرة لتقتنع،أي جامعي مرحبّ به ليساعد الملعونة إبنتها على نجاح البكالوريا. زار حمدي إبنتها مرتين بالبيت، إستمعت إلى نقاشاتهما من خلف الباب وإطمئنت إلى جديّته برغم دلال إبنتها وبحثها عن تصيّد المواضيع خارج الدرس.. في زيارته الثّانية، في طريق المغادرة توقّف الولد أمامها مشدُوها وفي عينيه لمعة حادّة أثارت ضحك نائلة وسخريتها ونهرته بلطف: - مَخََرْ عليك، سلملي على أمّك. وكاد وجهه ينفجر من الخجل. في الأ...

أليخاندرو

لا شيء مختلف هذا الصباح ، كنت أعرج نصف نائمة بحذاء بنصف كعب وأبحث بعيني عن التاكسي... الشمس شديدة وكل سيارات التاكسي تحمل إشارة خضراء والرنين المتواصل بهاتفي يلح علي : كان يجب أن تكوني بالمكتب، كان يجب أن تكوني بالمكتب. حاولت تجاهل كل شيء حولي وأخذت أراقب السحابة الصغيرة الهائمة في السماء؛ خيل إلي أنها قد تقرر أن تمطر بشكل منفرد، أو تباغتها الرغبة في التبول وتضطر إلى التنفيس عن نفسها.. تسللت بعيني إلى الأرض لأكتشف الضحية المرتقبة. أليخاندرو  بكامل أناقته يركب سيارته غير آبه بالسحابة البوالة....إنتبه أنني أنظر إليه، رفعت عيني بسرعة إلى السماء، رفع عينيه بدوره، السحابة فوقه تماما، أفلتت مني ضحكة صغيرة وأنا أتخيل السحابة تتبول فوق رأسه وتبلل ثيابه الأنيقة. أحسست فورا بالذنب لهذا الشر المجانى. إبتسمت لاليخاندو معتذرة، أجابني بإبتسامة مشرقة أثارت خفقة ببطني: يا قلبي الصغير، متى تتوقف عن هذا الضعف أمام الضحكات الجميلة أجابني قلبي بخفقة أخرى.... توقف المشهد عند هذا الحد، أليخاندرو ثابت لا يصعد سيارته ولا يتوجه نحوي مكتف بإبتسامة ثابتة...  أنا شبه نائمة وسط الطريق أبتسم ببلا...

نقص الحب

هذه الهرسلة اللطيفة السامة التى إسمها نقص الحب، سأوجهها لرجل مسكين، أعرف أنه مسكين، أهرسه بكل عنف الفقد داخلي وشهوة الإكتمال، وأنا أعتذر له عن كونه مسكين  ومفعول به، وأحرّضه سرّا ليتحرر....  يشبه الأمر أن أضرب شخصا بيد وأحثّه أن يهرب أو يردّ الضرب بيد أخرى...  ويتواصل العنف.. أراقب نفسي مخبر التجارب، وتبهرني ما آلت إليه أنوثتي الدامية....  كلّ هذا داخلي وسأعيش به ولا سبيل لمواجهته إلا بلعبة التقيّء التي إسمها كتابة.... في مساءات حميمية تاكد أن تكون مكتئبة ، لا يحمل الشتاء أي لقاح ممكن، كأس بويضاتي يخز جلدي بغضب، ليفكّرني أنني فشلت في تلقيح بويضة، ربّما للمرة المائتين وثلاث وأربعين على التوالي...... هناك من يضحك من دقّتي، كثيرات تعرفن أي دقّة مهووسة لهذا الجسد العجيب الذي لا يعرف النسيان، أي لعنة مثيرة للسخط والجنون أنه لا يعرف النسيان..... تقول دراسة أن المرأة تسجّل الجينات الوراثيّة لكل من عاشرتهم، أنّ جودة جيناتها التي تنقلها لأطفالها مرتبطة بمدى سعادتها وتحقّقها، أن المحضوضين هم أبناء السيدات السعيدات اللاتي تعرفن صيد السعادة لأجل أبنائهن.... أن يجب رب...